|
الكاتب :
إكرام جلال
|
|
|
|
|
|
تأريخ
التسجيل
الأربعاء 18-11-2009
|
|
|
|
|
حرر
في الخميس 01-07-2010 04:36 صباحا - الزوار : 3989 - ردود : 9
تأملات مسافر.. كلمة وآية
إكرام جلال
قرأت عبارة بسيطة في أخر مقال الدكتور عمار بكار بعنوان "اهجم نحو الألم ولا تهرب منه!" - ربما لا تلفت الأنظار - لكنها عزفت لحنا حزينا على أوتار قلبي الجريح: "يجب ألا تحزن على نفسك لأنك حزين،فالحزن جزء طبيعي من الحياة"، كم هي كلمات رائعة من الناحية النفسية والاجتماعية التي تعطي الدفعة لعدم الاستسلام للحزن والعيش في بوتقة البكاء على الأحباب والألم على ما فات فكما قال الأخ الدكتور الحزن جزء طبيعي من الحياة.
فلنُؤمن على تلك الكلمات الرائعة من زاوية كتاب الله وتأمل الأتقياء، فالله تعالى خلق الفرح والترح والبكاء والضحك: {وَأَنَّه هُوَ أَضحَكَ وَأَبكِى} [النجم: 43]، يقول سيد قطب رحمه الله: "تحت هذا النص تكمن حقائق كثيرة، ومن خلاله تنبعث صور وظلال موحية مثيرة، أضحك وأبكى.. فأودع هذا الإنسان خاصية الضحك وخاصية البكاء، وهما سر من أسرار التكوين البشري لا يدري أحد كيف هما"، ويستطرد فيقول: "فأنشأ للإنسان دواعي الضحك ودواعي البكاء، وجعله يضحك لهذا ويبكي لهذا، وقد يضحك غدا مما أبكاه اليوم، ويبكي اليوم مما أضحكه الأمس.. وأضحك وأبكى من الأمر الواحد صاحبه نفسه" (في ظلال القرآن: ج 6ص3415)
وقدم الدكتور بكار نصيحة غالية لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وهي"أن تعمل دائما على أن تلاحظ الأشياء من حولك من خلال قناعتك الداخلية بأنك ستجد أشياء جديدة لا تعرفها وستستفيد منها في حياتك.. عدم فعل ذلك والمضي شاردا في هواجسك دون أن تلاحظ شيئا من حولك يعني أنك تعتقد أنك لن تتعلم شيئا جديدا ويعني أنك لن تستمتع بالحياة وروائعها الصغيرة".
ولننظر لهذه النصيحة من زاوية أعظم وأوسع وآية من آياته سبحانه وتعالى: {إِنَّ في خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ واختِلاَفِ الليل وَالنَّهارِ لآَياتٍ لأُولىِ الأَلبَابِ *الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِم وَيَتَفَكَّرونَ في خَلقِ السَّمَواتِ وَالأَرضِ رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذا بَاطِلا ً سُبحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190- 191].
روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يصلي، فبكى حتى بل لحيته، ثم سجد، فبكى حتى بل الأرض، ثم اضجع على جنبه فبكى، حتى أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح، قالت: فقال: يا رسول الله، ما يبكيك وقد غفر الله لك ذنبك ما تقدم منه وما تأخر؟ فقال: "ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي وقد أُنزل عليَّ في هذه الليلة: {إن في خلق} الآيات، ثم قال : "ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" البخاري، فأقول إن القلوب المبصرة التي تتفكر في خلق الله تعالى وتتوقف عند شواهد الكون، هي نفس الألسن التي تلهج بذكره سبحانه وتعالى وتتفكر في كل صغيرة وكبيرة.
تأملات مسافر
وقد لمست ذلك من أيام قليلة حيث أُحب التوقف أمام الطبيعة وخلق الله أثناء السفر برا وجوا، لمست تلك الحقيقة التي ينصح بها الكاتب، وتتحدث عنها الآيات الكريمات..
بدأ السفر بآية عظيمة يجب التوقف عندها مع كل سفر وعدم نسيانها لأنها تُذكرنا بنعمة عظيمة {سُبحان الذي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنّا لَهُ مُقرِنِينَ*وَإنَّا إلى رَبَّنَا لَمُنقَلِبُونَ} [الزخرف: 13-14].
أول ما طالعت القمر، قفز سريعا لذهني حادثتين أولهما كانت من المعجزات الخارقة التي ثبتت، {اقتربتِ السَّاعَةُ وانشَقَّ القَمَرُ} [القمر:1].
فقد سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم: أن يريهم آية، فأراهم القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما. (رواه البخاري ومسلم)، وهذا هو الحدث الأصغر، ولم يبق إلا الحدث الأكبر يوم القيامة.
أما القصة الثانية التي تلامس قلبي من وقت لآخر فهي موقف الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام مناظرا لقومه:{فَلَمَّا رِأى القَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّم يهدني رَبِّى لأَكُونَنَّ من القَومِ الضَّالِّينَ} [الأنعام: 77[، هنا يتجلى قلب إبراهيم بالفطرة فالصلة بين الفطرة وربها هي صلة الحب، وفطرة إبراهيم ترفض الآفلين.. يتفرد القمر بنوره الساطع الهادي في السماء.. لكنه يغيب.. والله سبحانه وتعالى لا يغيب..
ها قد بدأ السفر في وقت السحر.. أروع الأوقات والتي وعد الله تعالى عباده بالتنزل فيها وإجابة التائب والمستغفر والسائل..
وقت السكون التام، سكون الأرواح وهدئتها، سمو النفس، وانفرادها بخالقها، وخشوعها بين يديه سبحانه وتعالى، لا حجاب ولا أقنعة، ولا سدود.
ثم يتصل هذا الخشوع والدعاء بصوت المؤذن للآذان الأول لصلاة الفجر ويأتي الفجر بعد طول الظلام، فينجلي ران القلب ويتضح الطريق، وتتفتح الروح، وتلتقي القلوب الطاهرة بالملائكة في تعاقبها، قال صلى الله عليه وسلم: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم الله وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون". متفق عليه، وهنا تبدو عناية الله تعالى بعباده المؤمنين المحافظين على الصلاة وإكرامه لهم حيث تتعاقب عليهم الملائكة عند صلاتي الفجر والعصر وتشهد لهم عند ربهم وهو أعلم بهم بعد صلاة الفجر وقت انبلاج الصبح والشمس وهي تسطع رويدا رويدا في الأفق فلا تملك نفسك وأنت تشاهد هذه الصورة الرائعة إلا قول : تبارك الله أحسن الخالقين{فالق الإصباح} [الأنعام :95]..
فأنت تشعر بتنفس الحياة من حولك تناجي خالقها في حب ووئام.. تباركت ربنا وتعاليت.. سبحانك {تُولجُ الليل في النَّهَارِ } [آل عمران:27].
الطريق الممتد الممهد {وَالأَرضَ بعدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}[النازعات:30].. فسبحان من بسط هذه الأرض ومهدها وبسط قشرتها وجعلها صالحة للحياة عليها وأحياها برحمته، النبات والأشجار نبتت دون رعاية ولا تدخل من أحد في تلك الصحراء {فَانظُر إلَى آثَرِ رَحمَتِ اللهِ كيفَ يُحيِ الأَرضَ بَعدَ مَوتِها} [الروم:50].
والجبال.. أنظر للجبال الشامخة المختلفة الألوان }وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدُ ُ بِيضُ ُوَحُمرُ ُمُختَلفٌ ألوَانُهُ كذَلِكَ{ [فاطر: 28].
السراب.. الحر مشتد جدا والشمس منعكسة.. تنظر ترى الماء.. السراب فتتذكر تشبيه الله تعالى أعمال الكفار كسراب في أرض مكشوفة مبسوطة، يلتمع التماعا كاذبا، فيتبع صاحبه الظامئ الذي يتوقع الشراب، الغافل عما ينتظره هناك، فيصل فلا يجد ماء يرويه {وَالَّذِينَ كَفرُوا أَعمَالُهُم كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحسَبُهُ الظَّمآَنُ مَاءً حتى إذَا جَاءَهُ لم يَجدهُ شَيئًا} [النور: 39].
والمشهد مع العودة.. الشمس ساطعة.. والقرص يعطيك الإحساس القوي بقدرة الخالق وإبداعه ثم تختفي رويدا رويدا مؤذنة بالغروب، أرق ساعات اليوم والتي يشعر الإنسان بشفافية عجيبة وإحساس بقدرة الخالق..
تشعر بالحنان يتسلل لقلبك، والصفاء يتعمق في روحك، والحب يملأ جوانبك، وقسوة القاسي تذوب، تلك اللحظات التي ينطوي عندها يوم من أعمارنا، وتبدأ ليلة جديدة ولا نعرف هل يصبح علينا فجر جديد يضاف إلى أعمارنا {ُيقَلِّبُ اللهُ الليل والنَّهَارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبرَةً لأولىِ الأَبصَارِ}[النور: 44]،{وتُولجُ النَّهَارَ في الليل} [آل عمران:27].
وها هي نهاية رحلة اليوم تنتهي بالشفق بعد الغروب، فتستكين النفس وتهدأ وتخشع الروح لخالقها وبارئها، ويودع القلب أحبابه في هذه اللحظات، وتعود الذكريات بحلوها ومرها، بوفائها وغدرها..
فهل من متذكر وهل من متأمل؟ وهل من انطلاق وتحرر من سجن الذات؟!
|